الجمعة، مايو 18، 2018

حمدي غالب يكتب: اليادون الأخير

من الارشيف


من ثقلها ومتانتها وضخامتها كانت تجعلنا ننسي انها مجرد أريكة (دكة) مصنوعة من خشب الأثل (الأتل) علي أيدي نجار بشري، 

احياننا نظن انها نتوء حجري في القشرة الارضية نتج عن حدوث بعض البراكين أو الزلازل في العصور الحجرية او الجليدية، لا احد يعرف من وضعها في مكانها هذا عند طرمبة الماء عند بيت عمي، فمن الممكن ان يكون جيل الأجداد او ربما جيل أجداد الأجداد، ولكن من المؤكد انها لم ترفع من مكانها منذ أن تم وضعها، وحتي معدات الحكومة الثقيلة فشلت في رفعها لرصف الطريق، كنا اطفال صغار نعتليها لنقفز من عليها او نتعارك علي ظهرها، وعندما كانت النساء يذهبن لملأ اوعيتهم من ماء الطرمبة كن تجلسن عليها ليتبادلن الاحاديث في امور شتي، ويلهيهن الحديث لينسيهن صيامهن، فيغتبن وينمن، وهكذا هي احاديث النسوة دائما، ثم ينصرف الجميع قبيل الافطار بنحو ساعة.

في هذه السنوات كان المسجد الكبير هو المسجد الوحيد في القرية، وكان هناك مصلي صغير في احدي دروب القرية القريب من بيتنا، ولم يكن استخدام الميكروفونات قد عرفه اهل القري – وياريت انهم لم يعرفوه – فكان المؤذن يعتلي أعلي المئذنة او يصعد لسقف المصلي ليصدح بكلمات الاذان عاليا، وكان صوته الضعيف لايصل الي اطراف القرية ولا المساكن البعيدة عن المسجد، فكان الناس يرسلون اطفالهم "لتجيب اليادون"، حيث كان صبية كل حي يجتمعون عند باب المسجد او المصلي قبيل اذان المغرب، وبمجرد ان يؤذن المؤذن يذهب كل منهم سريعا الي بيته مرددين بصوت عالي نشيد اليادون أفطر ياصايم علي الكحك العايم، فيعلم الجميع بان وقت الافطار قد حان.


بالطبع لم يكن الاطفال ينتظرون في صمت، بل كانوا يلعبون ويتنافسون، فكانت تتحول ساحة المسجد الكبير او المصلي الي اشبه بسوق عكاظ، لم يكن هناك عرض لبيع جواري او اماء، لان اهل طوخ أحرارا دائما، وانما كان كل صبي ياتي بعربة السباق "فنتر"، وكان الفنتر يصنع من فلتر بنزين تتوسطه عصا مثبته في جانبيها بعصايتين طويلتين تنتهيان في ايدي الصبي، وعند تثبيت العصيان بمسامير كانت تتسلخ من بعضها البعض فاستخدمت غطيان زجاجات المياه الغازية حينئذ لتفادي هذا الخطا الفني، وكانت المسابقة عبارة عن تصادم بين فنترين، والرابح من يكسر فنتر منافسه، وكانت البنات تلعبن العابهم التافه دائما مثل "التقاله" وغيرها، واعذروني فانا لا اعرف قوانين تلك اللعبة، لاني لم اكن مكترثا بالعاب البنات.


اما بعد ان انتشرت المساجد "الميني" صغيرة الحجم، وذاع استخدام الميكروفون ولم يقتصر علي الاذان فقط بل علي قران ما قبل الصلاة واقامة الصلاة والصلاة نفسها واذكار ما بعد الصلاة وعندما يريد المؤذن ان ينادي علي ابنه، فلم يعد اهل القرية في حاجة الي اطفال اليادون وصياحهم، وهكذا قد اختفي مولد سيدي اليادون واصبح مجرد ذكري في عقول دراويشه ومهلليلة، الكثير منا مازالت موسيقي نشيد اليادون نسمع صداها عند كل افطار كما كنا نرددها في الصغر افطر ياصايم علي الكحك العايم.


حمدي غالب طايع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك برأيك