الاثنين، نوفمبر 13، 2017

حمدي غالب يكتب: 12 يناير 1998


12 يناير 1998


غيوم متراكمة منذ الصباح، تزداد سوادً كلما مر الوقت، أنهينا يومنا الدراسي في أمان، وفي طريق العودة جادت علينا السماء بأمطارها الغزيرة، سارعنا خطواتنا حتى وصلنا الي منازلنا، كان الظن وقتها انها فترة قصيرة حتى يتوقف المطر، ولكن الفترة طالت، والأمطار لم تعد قطرات بل صارت حبيبات ثلجية، لعلها المرة الاولي في حياتي التي أري فيها ثلج قادم الينا من السماء وليس من "فريزر" الثلاجة.

Image may contain: 1 person

ما بين المفاجأة والفرحة قضيت دقائقي الأولى محدقاً في حبيبات الثلج وقطرات المطر المتساقطة، لم يعكر فرحتي الا عندما رأيت أن وجه أمي قد تغير وظهر عليها القلق واضحا، حاولت أن استخدم فراستي في معرفة السبب دون أن أزعجها بطرح أسئلة قد تزيد من انزعاجها، إلا أنني فشلت، فلم يعد امامي بد غير أن أسالها سؤالاً مباشراً "مالك ياما؟"، وانتهزت أمي تلك الفرصة لتلقي على أنا – الوحيد المتواجد في الدار-بعض من الهموم التي ضاق بها صدرها "اخوك الصغير حياجي كيف من الدرس؟


"اللعنة عليك يا درش....حبكت يعني" كان هذا أول ما نطقت به بعد صمت وقتها، فقد توجب بلا محالة أن أذهب إلى أطراف القرية لأحضر أخي الصغير من هناك حيث المكان الذي يحضر فيه الدرس الخصوصي، في الظروف العادية يعتبر هذا المشوار طويل فما بالك في تلك الظروف الوعرة، تأهبت بكل العتاد من شجاعة ومعطف ووشاح ومظلة، وخرجت من باب البيت أتحسس طريقي في الشوارع الغارقة فقد تجمعت الأمطار وشكلت برك كبيرة وعميقة في وقت قياسي مما ينذر بخطر حقيقي.


في منتصف الطريق وجدت أخي وبعض من أصحابه يحتمون من الثلج المتساقط تحت جدار في أحد الدروب الضيقة، وحالهم لا يدع مجال للشك بأنهم قد واجهوا صعاب عدة ليتمكنوا من قطع تلك المسافة، جلست بجوارهم ألتقط بعض من أنفاسي، ثم تشجعنا جميعا وتكاتفنا تحت المظلة الصغيرة التي أحملها والتمسنا طريق العودة حتى وصلنا البيت، فرحت امي لرؤيتنا سالمين، وأمرتنا أن نمكث جميعا في الطابق الأرضي خشية ان ينهار سقف الطابق العلوي المسقوف من طين يعلو سعف النخل المرصوص بين جذوع النخيل، فقد بدأت الامطار بالفعل تتسرب من خلاله.


ظللنا على حال ترقبنا لفترة قصيرة مليئة بالقلق، وكانت أمي أكثرنا قلقلاً، كانت قلقلة على أنا وأخي واكنت قلقة على البيت من الانهيار، وكانت قلقلة على المدخرات والنقود التي كانت تحتفظ بهما في حقيبة حيث ظلت ممسكة بتلك الحقيبة ثم "رمتها" تحت الكنبة واحتضتنا نحن.


كانت إحدى اللحظات الصادقة فعلاً، فقد أظهر كل اهل الشارع التعاون لبعضهم البعض، الطبيعة القاسية الفت بين قلوبنا، كان الهلع يسيطر على الجميع، إلا عجوز الحي، جارة عزيزة رحمها الله، ظلت مترابطة الجأش على الرغم من أن بيتها كان أكثر بيوت الشارع ضعفاً، العجوز لم تخشي على شيء قد يضيع، لا ولد ولا مال، فمكثت بدون خوف، ولكني انا الذي خفت من ذوبان "تروك السكر" التي كانت تمنحي إياها تلك العجوز كلما قضيت حاجة لها.



الآن بعد أن توقفت السماء عن المطر وابتلعت الأرض الماء ومرت كل تلك السنون اراجع هذا المشهد الملحمي الذي لم تغب تفاصيله عن خاطري ولو لحظة: أهالي متلاحمون وقت الازمات، أم فضلت أولادها على المال فاحتضنتهم والقت بالمال تحت الكنبة، وعجوز لا تجد ما تخسره فصارت قوية كالفولاذ، ورجل على كتفيه سبع من الأولاد صبر وتحمل وسعي في مناكب الأرض وحمد وشكر فأغناه الله، وطفل عض على النواجذ من اجل التعليم فلم يرده الله خائبا، ومتأملا في ملكوت الله، منحه الله هبة، ومكنه في بعض القول، وسلك له سبيله في الحياة عجبا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك برأيك