الأربعاء، يونيو 19، 2013

حمدي غالب يكتب: هنا الكويت (5) : الحاجة أم الدنيا


وما كاد عبد الرزاق وصديقه ينصرفا حتى باغتتنا يداً نحيفة تضربنا بسباطة نخيل جافة علي ظهورنا، وكان الكاركاتر أكثر مني فطنة فلم يحاول الالتفات إلي الخلف ومارس هوايته المفضلة في الوثب كأرنب بري، وإنما أنا – ولسوء حظي- التفت لمعرفة من هذا الذي يضربني بدون ذنب، فإذ بها امرأة عجوز جدا فاجئنني بضربة أخري فجريت لاقف بعيدا عنها، ألملم رباطة جأشي التي بعثرتها سباطة العجوز، ونظرت إليها بكل غضب وسخط وهي واقفة مستندة علي عصا غليظة وباليد الأخرى ممسكة بسلاح الجريمة.


امرأة لا يتعدي طولها 110 سم وهي منحنية علي عصاها، تفرد جناحيها أثناء السير كالبومة، وان تكلمت برز فكها العلوي أمامها وانزوي السفلي، وان صمتت برز الفك السفلي ودخل الفك العلوي تحت ثنايا التجاعيد التي تملأ الوجهة النحيل الهزيل اليابس فتبدو كأمواج الكثبان الرملية في صحراء تفترسها الرياح طوال الوقت، ويبرز انفها في الزفير ويتحول في الشهيق إلي خيشوم يختبئ تحد سطح التجاعيد، وعيناها غائرتان لا تبصران ابعد من متر واحد، ترتدي زيا غريب وكأنها في حفلة تنكرية، رأسها بدون غطاء وخصلات شعرها الأبيض كالزرع العطش، حافية القدمين، وساقيها النحيفتان تهتزان كغصن يابس، فأيقنت وبدون ادني تفكير بأنها الجدة "ست الواد كاركاتر".


فبادرتها بالقول متوسلا "والله معملت حاجة يا ستي"، ودون أن انتظر ردها كنت قد أطلقت ساقي للرياح ولحقت بالكاركاتر الذي وجدته جالسا علي فلاق النخل"مجموع من جزوع النخيل المقطوعة والجافة" يضحك بطريقة هستيرية، وكلما نظر لي يبدأ في الضحك من جديد، وبعدما انتهي قال وهو يمسح من عينية دموع الضحكات بأن هذه المرأة هي جدته واسمها "آم الدنيا"، وبأنها كانت - علي حد وصف أبواه - امرأة غاية في الجمال، وتاريخ ميلادها مجهول ولكن اقرب التخمينات وأكثرها قوة بأنها قد جاوزت المائة عام ببضع سنين، ولديها خمس أولاد ذكور لم يتبقي منهم إلا اصغر اثنين: مرزوق 55 عام، وعبد المقصود 50 عام، وخمس إناث: كلهن علي قيد الحياة، تتراوح أعمارهن مابين الثمانيين والخمسين. وهي امراة غريبة حيث إنها تتذكر جميع الذكريات القديمة جدا وتنسي بسهولة وبسرعة الأحداث القريبة.


شجعتني كلمات الكاراكتر الأخيرة بأن جدته مصابة بمرض النسيان "الزهايمر" فهي بذلك لن تتذكر ما حدث منذ فترة وجيزة وبأنها لن تمنعني من اللقاء ب"الحاج عبد المقصود"، ولكنه وفي خضم كلامه قد ذكر شيئا غريباً بأن جدته تبدي ولدها مرزوق علي ولدها عبد المقصود، فهي تحبه وتبجله اكثر مبررة ذلك بأنه – أي مرزوق- ظل بجانبها ولم يسافر واهتم بأرض أبيه وأجداده ولم يتركها تبور واستمر في تربية المواشي والغنم "وخلي البيت يقعد عمران"، ولأن عبد المقصود شخص أناني اهتم بنفسه وسافر، جني الأموال وعددها، ويغيب في البلاد البعيدة سنين طوال، وفي شهور الأجازة يظل مع زوجته "مقصوفة الرقبة كما تسميها الجدة"وقت أطول مما يقضيه مع أمه، وبأنه لا يذهب إلي الأرض ليحرثها ولا ليرويها ولا يشمر عن ساعداه في حصاد أو رمي البذور، ويظل الاجازة كلها "يتغندر" بجلبابه الأبيض ومسبحته "العيقة" وساعته الصفراء وسيجارته الحمراء وعمامته الناصع بياضها وشاربه المبروم، لا يهتم غير بالأكل والشرب في كل مرة يذهب إلي المركز أو المحافظة إلا وقد ابتاع فاكهة كثيرة.


ما جعلني أميل إلي تصديق كلمات الكاراكتر في وصف شعور جدته ناحية ابنها عبد المقصود هو إنني ولمدة ساعتين انتظر رؤيته ولكنني لم استطع لأنه يفضل الجلوس مع زوجته "مقصوفة الرقبة" ولا يهتم بوالدته ولا بضيوفه ومستقبليه....

نكمل في المرة القادمة إن كان في العمر بقية

حمدي غالب طايع




اجزاء سابقة من الرواية

هنا الكويت: تمهيد

هنا الكويت (1): مسقط الرأس (1)

هنا الكويت (2): مسقط الرأس (2)
 http://toukhqena.blogspot.com/2013/03/2_21.html

هنا الكويت (3): الحاج عبد المقصود
 http://toukhqena.blogspot.com/2013/03/blog-post_31.html

هنا الكويت (4): عبد الرزاق
http://toukhqena.blogspot.com/2013/05/4.html


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك برأيك