الثلاثاء، مارس 05، 2013

حمدي غالب يكتب: العشاء الأخير


العشاء الأخير

حرم من الحنان فصار نبعا صافيا له، وليد يتيم، ماتت أمه وهو ابن أسبوعين، تلميذ سيء الحظ ما كاد يخطي خطواته الأولي في التعليم حتى انهارت جدران مدرسته فتوقفت دراسته عند الصفوف الأولي بالمدرسة ألابتدائية، صبي تعس لم يهنئ بحياة الاطفال من لعب ولهو، هاجر من قريته الي القاهرة للعمل وهو ابن 13 عام ، سنين عجاف وأخري سمان، أيام بيضاء وأخريات سوداء هكذا كانت حياته، وعلي الرغم من ذلك أصبح أيقونه الحنان، فلم يقتصر حنانه علي اهل بيته بل امتد ليشمل ايهما انسان يتعامل معه، صغيرا كان ام كبير رأيت ذلك بأم عيني وأنا عليه من الشاهدين، انه المرحوم الحاج حنفي محمود إبراهيم .

الحاج حنفي هو احد المحاربين الشرفاء، ما يقارب من الـ 35 عام في الغربة، عرف بنبل أخلاقه، وطيبة قلبه، وصفاء سريرته، وتوكله علي الله، وجلده ومثابرته، وعزيمته وقوته، وإخلاصه وتفانيه في العمل، ونفس راضية شاكرة حامدة، وكرمه وجوده ومروءته.

احضر حالا....الحاج حنفي مات هكذا تلقيت خبر وفاته، مات! كيف يموت! مازال بقوة بنيانه علي الرغم من تقدمه في العمر، مازال يسعي في طلب الرزق ولم يكل، غاب عقلي وتسمرت في مكاني، لا ادري كم من الوقت استغرقته كي أعود أنا إلي الحياة مرة أخري، ونطقت الشهادتين ورددت أن لله وان إليه راجعون.

ماذا حدث؟ أتي من عمله، اغتسل وتوضأ وصلي، واعد طعامه وانتظر ولده حتى أتي، وتعشي وشرب الشاي، وظل يتضاحك كعادته مع الحاضرين، ثم دخل لينام، فأحس بضيق في نفسه وعرقا يتصبب منه صبا، فأشاروا عليه بان يذهبوا به إلي المستشفي، فارتدي جلبابه ووضع عمامته علي رأسه، خرج من باب المصعد، تمشي نحو السيارة، وضع يديه علي مقبض الباب الأمامي ليفتحه، وحينها أصيب بإغماء، حملوه إلي غرفة الحارس، اتصلوا علي الإسعاف، نقل إلي المستشفي، فاضت روحه إلي بارئها، خرج من الدنيا علي رجليه، أهل هي مكافئة من المولي عن طيب قلبه! يخرجه من الدنيا صاغ سليم "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي".

مات الرجل الذي كنت جليسا دائما علي مائدته، العق الطبق حتى يلمع، وأمصمص أصابعي من حلاوة طعامه، في أثناء وجوده كنت أتخلي تماما عن عادتي بتناول الأكل بالمطاعم، وأي مطعم يعد طعاما مثل هذا الرجل، وبعد الأكل فاكهة أو حليب أو كوب عصير، وفي رمضان يلتف الجميع حوله، كالشجرة المثمرة، إفطارا وسحورا، آه من إفطار علي فتة وسحورا نهايته زبادي بمربي القمر دين، زاد وزني ضعفه، مما راق لأبي وأمي فأعطياني أمر بعدم ترك الرجل، وكنت مطيعا لوالدي.

من كرمه وجوده كانت تشد إليه الرحال، ومن طيب نفسه كان أي طعام يعده ياكله الناس بنهم، حتي إن كان من ادني الطعام، من بقولها وعدسها، فعدسه كان موصوف وكأنه دواء، مرغوب فيه وكأنه لحم نعام (لا ادري أن كان لحم النعام حلو أم لا ولكن المرحوم قال لي انه أكله ذات مرة وكان جميلا)، كانت الحشود تأكل طاولة وتأخذ معها سفري، وان تطرقت لسيرته الحسنة أمام احد وجدت أنهم يعرفونها قبلي، فذات مرة قالي لي:-

• خالي الأستاذ إسماعيل يس – أمين سر جمعية أبناء طوخ بالقاهرة – بان الحاج حنفي أبو الكرم، إن كان موجودا وتوفي احدهم، كان يقوم بواجب الضيافة كامل مع جموع المعزيين القادمين من القرية لتقديم واجب العزاء، وفي الصباح يخرج من بياته المقابل لمبني الجمعية تحمل يمناه الحليب وشماله الشاي.
• الأستاذ حجاج علام، بأنه لم يري مثل الحاج حنفي من قبل، في طيبه ونقاءه وكرمه.
• عزب علي الدين، ذات مرة ونحن عائدون من العمل، صعد شرطي إلي الحافلة، وكان احد شباب القرية مخالف (إقامته منتهية)، وأخذه الشرطي ليتم ترحيله، ولكن تركه فقط عندما رأي الحاج حنفي، تركه فقط من اجل خاطر هذا الرجل.
• الحاج مسعود احمد حسن، يا سلام علي الحاج حنفي، راجل زين، يشتغل هو ساكت، مالهوش دعوة بحد، وعنده ضمير.
• الحاج محمد العجوز، أبو سيد راجل زين، وكريم، وقلبه طيب وابيض، ربنا يديله الصحة والعافية ويبارك فيه.
• الحاج احمد عبدالله الهريدي، والحاج محمد شاكر، وبقية شباب جمعية أبناء طوخ في الكويت، وأثناء الاجتماعات الدورية لهم، كان الحاج حنفي عائد للتو من مصر، فوجدهم مجتمعين، فسألهم كم سنة لم يسدد اشتراكها هو ولده؟ فقالوا عليك كذا، فقال كم مبلغ الاشتراك الإجمالي؟ فقالوا كذا، فقال خذوها جميعا الآن، فقلت له همسا يا حاج أنت بالكاد عائد من أجازة، فقال "أمال الناس دي تعبانه علي الفاضي، ولازم نشجعوهم"، ثم قام معهم بواجب الضيافة المعتاد.
• مصطفي مراد عبد الراضي عرابي، علي الرغم بأنني حديث المعرفة بهذا الرجل، إلا إنني أحببته واحترمته كثيرا من طيبته واحترامه، سعيد إنني قابلته، وحزين في نفس الوقت لأنني أتحسر عليه الآن لمعرفته.

انهينا مراسم العزاء، وعدنا إلي الشقة، وتوجهت إلي ثلاجته والتي كانت بالنسبة لي كالحجر الأسعد، ما قصدتها إلا وارتضيت، ونظرت إلي حاجياته، كيف كان منمقا وأنيقا (كان يقولها لميق)، جلبابه مازال مرمي علي السرير بجواره المنديل الورقي الذي مسحوا به عرقه، وفتحت باب الثلاجة فوجدت آنية بها العشاء الأخير. وراقت لي فكرة احدهم بأننا يجب أن ننفذ نصيحة ابن المرحوم البار بان نأكل الطعام وندعو له بالرحمة والمغفرة، ومع غرابة الفكرة واستحالة تنفيذها مع متوفي آخر إلا أن الحاج حنفي كان رجل كريم، فلم يتقبل احد أن يلقي بطعامه إلي الزبالة، فوضعنا الطعام.

وبما أنني كنت اشغل لفترة طويلة مساعد المرحوم في الطبخ، فكنت اعرف كيف تم إعداد العشاء الأخير: غسل الأواني بطريقة جيدة جدا، تقطيع الخضار بطريقة منتظمة "مش هبيش"، وضع نقطة زيت في قاع الحلة، ثم وضع ملح علي الزبدة حتى تصبح ريحها جيد، وضع البصل المقطع، توطية الناري، تقليب البصل حتي يصير لونه ذهبي، وضع عصير الطماطم المخلوط في الخلاط والمصفي، مسح الخلاط جيدا وإعادته إلي كرتونته، الاستمرار في التلقيب حتي تتسبك الطبخة، ثم وضع الكفتة.

كنا عشرة أشخاص، أكلنا ومصمصنا أصابعنا، وقام أصغرنا معروف بتقواه بالدعاء للمرحوم، بالرحمة والمغفرة والجزاء الحسن وبان المرحوم الحاج حنفي كان كريما معنا فكن يالله كريما معه، غادرت مسرعا، واستمعت لحوار كنت قد سجلته للمرحوم علي موبايلي، واختلطت ضحكاتي بدموعي، وأوهمت نفسي بان الحاج حنفي لم يمت، بل ذهب إلي إجازة طويلة كعادته، وفراق الدنيا معتاد أنا عليه، فاني مفارق لأبي وأمي وزوجتي وبنيتي، فلم تفلح خطتي، فإنسان بكل هذا الصفاء والطيبة والإنسانية البكر والضمير الصافي لن يتكرر وجوده كثيرا.

 اللهم ارحمه واغفر له خطاياه واجزه حسنا عن كل لقمه أطعمها عن طيب نفس وخاطر لأحد من عبيدك فقيرا كان أم غنيا، وادخله فسيح جناتك، واستحلفكم بالله بان نهدي إلي روحه ثواب الفاتحة.

حمدي غالب طايع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك برأيك